همس السكون

تفاديا لتداعيات الصمت المطبق.. سأهمس علني أصل ذات يوم

 

الإثنين,شباط 04, 2008


 

الأسيرة المحررة تغريد سعدي:لن تكتمل فرحتي إلا بخروج أحلام التميمي من السجن، خروجها يعني حرية كل الأسيرات

 

ايمــــان المصري- صوت الحق والحرية

في الطريق الى "سخنين" لإجراء الحوار مع الأسيرة المحررة تغريد سعدي التي خرجت يوم الثلاثاء الماضي، بعد اعتقال دام ست سنوات في السجون الإسرائيلية دارت ببالي الكثير من الأسئلة والمحاور التي يمكن أن أقف معها عندها. فكيف لفتاة دخلت السجن في مقتبل عمرها ولم تكن بعد قد أدركت الحياة من حولها أن تملك الصبر للتعامل مع أصعب الظروف؟!!

تفاجأتُ بفتاة لمحت في عينيها الكثير من الصبر وفي دموعها الكثير من الثقة وفي كلامها الكثير من الإيمان وحًسن التوكل. تغريد قد تخرجت فعلًا من المدرسة المحمدية التي تعلمت فيها كيف لها أن تحمل رسالتها ومبادئها وقيمها فتتشبث بها رغم كل ما عانته ولاقته.

كيف كانت تغريد تعيش حياتها قبل الإعتقال.

لحظات الاعتقال الاولى

تقول تغريد: كنت فتاة عادية قد أنهت تعليمها الثانوي، بدأت أحضر لمرحلة الدراسة الأكاديمية. كنت إنسانة محافظة وتربيت على الاهتمام بمعرفة ما يدور حولي من أحداث منذ الصغر، وقد تزامن اعتقالي مع تلبيتنا لدعوة الشيخ رائد صلاح حفظه الله بالصوم التضامني مع الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية لدعمهم وتثبيتهم ونصرة قضيتهم التي هي قضية جميع الفلسطينيين. فصمت فعلا مع أهلي وكان ذلك بتاريخ 15-4-2002. أفطرنا جميعًا إلا أختي الكبيرة بهيسة. وبعد إنتهاء فطورنا سهرنا سهرة طيبة ثم رتبنا البيت لنخلد إلى النوم.

تستكمل تغريد حديثها وتقول: لم ارتح في نومي وكنت اشعر بالضيق وأرى الكوابيس، ليلتها قمت فزعة وقامت أختي على صوتي، رأيت أني أسقط في بئر عميق…فكان ذلك البئر هو الإعتقال!!

تستكمل تغريد حديثها للرد على سؤالنا لها عن ظروف الإعتقال وكيفية حدوث ذلك لكن الذكريات المؤلمة تحبس أنفاسها وتدمع عيناها. تقول لقد دخل علينا في تلك الليلة- الساعة الثانية إلا ربع ليلًا -أكثر من 300 جندي وشرطي. كنا ننام أنا وأخواتي البنات في غرفتنا فسمعنا ضجة كبيرة في البيت والكل يصرخ أين البنات..أين تغريد وبهيسة؟!

طلبت منهم أمي أن تدخل الينا لتعلمنا بوجود هذه الثكنة العكسرية في البيت، لكنهم لم ينتظروا أمي ودخلوا علينا وأنا وأخواتي في فراشنا.

أتذكر منظرًا دام في ذاكرتي وكلما لاح لي تألمت كثيرًا خاصة في أيام الاعتقال الأولى حيث قام الجنود برفع فرشة السرير الذي كانت تنام عليه أختي الصغيرة وهي عليها ونفضوها أرضًا لتقع على الأرض مفزوعة، كسروا الخزائن والأبواب وعاثوا في البيت الفساد. والمدهش في الأمر أني بتلك اللحظات لم أكن أعرف ماذا يجري مع أمي التي وقعت أرضًا عندما دخلوا الينا ولا عن إخوتي البنات والشباب لأنهم فرقونا في جميع غرف البيت؛ ومن كثرة الجنود لم نر بعضنا البعض.

طلبوا مني أن آخذ بعض الأغراض فأخذتها وذهبت معهم، وضعوا القيود في يدي ورجلي وساقوني، خلال نزولي عن الدرج لبيتنا أشرت لأمي بيدي أن تصبر. ولم أكن أعرف أن أختي بهيسة كانت قد اعتقلت أيضًا.

"يرن هاتف تغريد خلال حديثها، وها هو والد الأسيرة سناء شحادة يتصل بتغريد ليهنئها بالسلامة ويطمئن على ابنته التي كانت صديقة مقربة من تغريد حيث كانت تسكن وإياها بنفس الغرفة. ثم تتوالى الاتصالات لتغريد لتتصل هذه المرة عمة أحلام التميمي الأسيرة التي حصلت على أكبر عدد من المؤبدات حيث حوكمت بستة عشر مؤبد!!

نحاول أن نهدىء تغريد بعد هاتين المكالمتين المؤثرتين فتغريد كما سعدت بتحريرها حزنت لفراق أخواتها الأسيرات خلفها".

تجربة مؤلمة

وفي ردها عن كيفية تمضيتها لأيام الاعتقال الاولى أكملت تغريد: بعد أن اعتقلوني من البيت أخذوني إلى قسم الشرطة الموجود في منطقتنا – (مسجاف). دخلت مع شرطية لتفتيش عار وهذا شكل الصدمة الأولى والكُبرى لي فأنا فتاة محترمة ومحافظة وخجولة جدًا لكن لم يكن لي أية مفر.

أتذكر أني عندما كنت أنتعل حذائي وقف رجل على رجلي وقال لي توجعي كما توجعنا يوم الجمعة، فعلمت حينها أن القضية متعلقة بالعملية التي حصلت يوم الجمعة آنذاك.

دخلت الساعة الرابعة صباحًا لغرفة التحقيق، أخذوا مني الساعة حتى لا أعرف الوقت ولا كم يمضي عليّ، وخرجت بساعات ما بعد الظهر مما يعني أن التحقيق الأول استمر مدة طويلة تقدر ب7-10 ساعات.

استجوبت حول معرفتي بفتاة من الضفة ومدى علاقتي بها، لقد تعرفت على هذه الفتاة عن طريق الإنترنت وكانت علاقتي بها صداقة عادية. وتبين بعد اعتقالي أن هذه الفتاة تتعاون مع المقاومة وقد أعانت شباب على القيام بعملية تفجير رفضت الاعتراف بأي شيء رغم أني أدركت من اللحظة الأولى أن الموضوع سيكون صعبًا وسأخوض تجربة مؤلمة.

نُقلتُ بعدها إلى الجلمة وفتشتُ مرة أخرى تفتيشا عاريا ، دخلت إلى غرفة التحقيقات من جديد وأجلسوني بطريقة مهينة على كرسي لا يتحرك. رجلي بالأرض ويدي إلى الخلف. اشتكيت من الجلوس المتعب فقالوا لي : لست بأفضل من أحد ، هذا الكرسي جلس عليه مروان البرغوثي أول أمس..! فسكت.

كانت مدة التحقيق 7 ساعات حاولوا أن يشككوا بكل ما قلته ويستدرجوني لكني كنت مدركة لما يدور حولي، أُخذتُ بعدها إلى الزنانة وهي تحت الأرض، ضيقة وسيئة الأحوال، وصلت باب الزنزانة لكني لم أستوعب أني سأدخل إليها لذا بقيت واقفة وكأني لا أصدق ما يحدث معي .

وقع مني الكيس الذي حملت فيه بعض أغراضي من فرط ألمي ودهشتي، جلست على الفرشة وكانت رائحة البطانية كريهة فلم استطع استعمالها لتدفئة نفسي فحاولت أن أستعمل ملابسي لأدفأ قليلًا. أدخلوا لي الأكل لكن زجه أحد برجله فلم أقترب منه لشعوري بالإهانة ورفضت الأكل.

تضيف تغريد لمدة ثلاثة أيام لم يكن معي شيء ولم أكن أعرف ماذا يمكن أن أطلب منهم ، كانت الصدمة النفسية قوية لكني واظبت على الصلاة. كان هناك شاب يؤذن ولعدم معرفة الوقت أحيانا لم أكن أعرف هل هو أذان الظهر أم العصر، المغرب أم العشاء..لكني كنت أصلي أملًا في قبول ذلك من رب العالمين فلم تكن لي فرصة أخرى للتأكد.

بعد أربعة أيام من اعتقالي توالت وسائل التعذيب التي ارتكبها السرائيليون ضدي،  ومنها ،  تحكم المسؤولين عن اعتقاليعن ببرودة الماء وسخونتها أثناء الاستحمام . فقد فتحوا عليّ ماءً باردًا جدًا جدًا … ثم بعد مضي دقائق معدودة كانت ساخنة جدًا جدًا مما أدى لمرضي.

ثم بعثوا لي امرأة لتحاول استدراجي فلم أرتح لها منذ البداية وتبين أنها تحاول أن تأخذ مني معلومات لتعاونها مع المخابرات الاسرائيلية وقد سببت لي مشاكل كثيرة لي ولأختي بعد ذلك.

نقلت بعدها لزنازنة ثانية وكانت معي أخت أخرى اسمها أريج الشحبري ، فتواسينا سوية.

أقسى لحظات مرت علي في اليوم الأخير من وجودي في الجلمة وكان ذلك بعد 14 يوم اعتقال، وتمثلت بدخول 8 محققين الى غرفتي وجلوسهم بطريقة مؤذية أخلاقيًا وإنسانيا مما أرهبني كثيرًا مع محاولتي عدم إظهار ذلك.

كان الشيء الوحيد الذي يرهقني هو معرفة حالة أمي لأنني رأيتها قد وقعت ارضًا أثناء دخولهم علينا. ثم رأيت أختي في أحد الممرات وعلمت أنها معتقلة ايضًا لكننا كنا بعيدات عن بعضنا البعض ولم نتحدث وكانت هذه صدمة أخرى أتلقاها.

ما بعد إقرار الحكم

تروي تغريد تفاصيل تجربتها داخل السجن قائلة:انتقلت من سجن "الجلمة" وسجن "هشارون"،وقد لاحظت وجود مشاكل بين الاسيرات ومن تتعامل مع المخابرات منهن حيث حاولن الاخريات السيطرة على ظروف السجن. كنت عنيدة لدرجة كبيرة معهن خاصة ومع المحققين ولم أتنازل لهم بما كانوا يطلبونه. لدرجة أني وضعت 50 يوما في العزلة وحدي باعتبار السجانين أني أحرض الأسيرات والمعتقلات لكني لم أكن سوى مدافعة عن حقوقي كإنسانة !

بعد أسبوعين زارني أهلي في السجن، كان والدي يقف خلف الشبكة الحديدية. قال لي جملة لا أنساها. مسك بيديه الشبكة الحديدية وهزها بشدة وقال لي : هذه الشبكة تحول بيني وبينك لكن ليس بينك وبين الله حائل…فتعلقي بالله وتمسكي به واثبتي فلن يضيعك ربك. أما أمي فكانت قوية أيضًا لكني أعرف أن صحتها ليست جيدة لذا كنت قلقة عليها دائمًا. علمت من زيارة أهلي مساندتهم لي وهذا ما توقعت وتأكدت منه لذا كانت هذه هي الشحنة القوية التي تثبتني بين حين وآخر..الله معي وأهلي معي والدنيا كلها معي لذا لن أضعف !

حوكمت بهيسة سنة ونصف وكان ذلك بمثابة صدمة عنيفة لي حيث لم نكن نتوقع أن يتم اتهامها لأنها لم تفعل شيئًا فعلى الأقل أنا لم أنكر أني تعرفت على هذه الفتاة أما هي فلم تعرف أحدًا منهم!

كما يقولون الموت مع الجماعة رحمة ، حاولنا أن نستثمر وقتنا؛ تعلمت كيفية صنع الأشغال اليدوية، كنت اقرأ وأحاول أن أكتب بعض الخواطر، و أصلي وأجتمع بالأخوات، أشاهد التلفاز وأسمع الأخبار وهكذا كنا نمضي وقتنا جميعًا.

الحجاب من خلاصة التجربة

لقد مررت بأيام صعبة جدًا خلال وجودي في السجن، وأنا بطبيعة الحال كنت أصلي وعائلتي كانت تشجعنا لارتداء الحجاب. وقد صدف أيضًا أني نويت أن أتحجب لذا كنت قد سجلت مع والدي للذهاب إلى المسجد الأقصى في مسيرة البيارق قريبا فترة الإعتقال حتى أصلي في المسجد وأشتري الملابس من هناك لكن قدر الله أن لا يتم ذلك.

كنت أستشعر رحمة الله بي ، مرت عليّ تجارب صعبة لم تكن لتحدث بقدرة أحد ولا صدفة إلا أنها مشيئة الله وقدرته وإحاطته بما لا يحيط به البشر. وصل ليدي كتاب "صحابيات حول الرسول" فلما قرأته شعرت برغبة شديدة بالالتزام بالحجاب وفعلا تحجبت والحمد لله. كانت العقبة التالية هي إيجاد ملابس لألبسها فطلبت ملابس من أخت أسيرة روسية قد هداها الله للإسلام ثم تزوجت من فلسطيني في الضفة وأدينت بتهمة أمنية. أما الشال فقد أهدتني إياه صديقتي العزيزة أحلام التميمي.

مواقف صعبة

لقد مررت بمواقف صعبة كثيرة نتيجة للمعاملة السيئة التي يعامل بها السجان الإسرائيلي الأسيرات. ومن هذه المواقف المؤثرة، أني كنت أصلي المغرب وأقف بين يدي الله وبعد سجودي وقفت لأتابع صلاتي وفجأة رشقت عليّ إحدى الأسيرات زيتا ساخنا أصاب وجهي ورقبتي وقليلًا من كتفي.

كانت محنة صعبة فإن هذه الأسيرة متعاونة مع المخابرات وتحاول أن تعجزنا حتى آخر درجة، وظنوا أنه إذا تشوهت فإني سأفقد كل شيء وسأعاني نفسيًا وبذلك سيكسرون نفسي التي ما زالت صابرة وتعاندهم في التنازل عن مبادئي وحقوقي.

موقف آخر قد حدث معي أيضًا وهو تهديدي بالإغتصاب وذلك بإدخالهم أحد الرجال إلى السجن لكني لم أتنازل لهم وبقيت أستعين بالله على كل تهديداتهم.

موقف آخر أيضًا هو تهديدي بوالدتي، ثبتت التهمة عليّ عندما هددني المحققون بسجن أمي مدعين بأنها متعبة صحيًا أيضًا وهذا الذي جعلني أوقع على ورقة بيضاء معترفة غصبًا عني بأني مدانة بهذه القضية.

أما كفتاة عمومًا فقد شعرت بصعوبة بالغة بطلب احتياجات خاصة لكني تدبرت أموري بعد تعاوني مع الأخوات.

لخدمة الرسالة؟!

لقد حاولت أن أكمل دراستي في السجن لكن لم يوافقوا على ذلك ، وعندما وافقوا في السنة الأخيرة من اعتقالي لم تصل الكتب لذا لم أستطع أن أكمل دراستي . أنوي إن شاء الله دراسة موضوع المحاماة أو الخدمة الإجتماعية أو الصحافة لأن هذه المواضيع سوف تخدم الرسالة التي أحملها من معاناتي ومحنتي ومعاناة السجينات اللواتي تركتهن خلفي . كما أني سوف أناضل وأحمل قضية الأسيرات وأبقى أدعمهن وأساعدهن بقدر ما أملك.

ما هي قصة صوت الحق والحرية معك؟

لقد طلبت أن يدخلوا لنا صحيفة صوت الحق والحرية مع أنهم كانوا يسمحون بإدخال صحف محلية أخرى لكن كنا نهتم بصوت الحق ولأنها تطرح أمورا سياسية واجتماعية بطرح إسلامي مما يجعلها مميزة. لقد طلبت إدخالها من المحققين فرفضوا ولما سألتهم عن سبب ذلك قالوا لي: لأنها صوت حق. قلت لهم فعلًا معكم حق…إنها صوت حق وصوت حرية لذلك من الطبيعي جدًا أن تمنعوها.

ولدى سؤالنا عن الرسالة التي ترغب تغريد بتوجيهها للأسيرات، قال: أتوجه لكل أخت أن تصبر وتحتسب وإن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. لن أنسى أخواتي ولقد قدر الله أن أعيش هذه المحنة حتى أدعم أخواتي المعتقلات وأحمل هذه

القضية لأدافع عنها. وآخر ما أقوله أني فرحة لحصولي على حريتي وأن الله فرج عني همي وغمي لكني شعرت بغصة الفراق لفراقي لأخوات عزيزات عشت معهن ليلي ونهاري. أعز صديقاتي كن سناء شحادة وأحلام التميمي وخروج أحلام هو خروج كل أسيرة لأن عليها أطول حكم وهو 16 مؤبدا .



في04,شباط,2008  -  04:49 مساءً, hamasat alsaher كتبها ...

الف تحيه واكبار واجلال لكى سيدتى تغريد

وحسبى الله ونعم الوكيل فى كل ما يعانيه شعبنا المناضل فى سجون الاحتلال

وانا كلى خجل امام كل فتاة تناضل من اجلال الوطن والعالم يتفرجون

ومليون تحيه لكل اسير واسيره فى سجون الظلم والعدوان
واشكرك كل الشكر اختى نهى على مواضيعك وجهادك واحساسك الصادق
تقبلى مرورى واحترامى
تحياااااااااااااتى

في04,شباط,2008  -  05:49 مساءً, mona sawy كتبها ...


** بحثت عن كلمات ..أعبر بها عن احساسي بعد قرأتي للحوار...

...ولكني عجزت... يبدوا أن العجز أصبح مقترناً بالقضية الفلسطنية ...

...تحياتي لك..و لكل أسيرة على أرض فلسطين...

في04,شباط,2008  -  06:32 مساءً, نهى غنام كتبها ...

همسات الساهر
مرورك أسعدني بالفعل
أتمنى أن يصل كلامك للمناضلين بقوة وصمت علهم يدركون حجم مودتهم بقلوبنا
تحياتي لك ولهم

في04,شباط,2008  -  06:34 مساءً, نهى غنام كتبها ...

عزيزتي منى
اهلا بك زائرة رقيقة لمدونتي
أشاركك الرأي بأن أصبحنا عاجزين ولكن هل سنصمت أم نواصل الهمس
شكرا لتحيتكواهلا بك دوما